أشباح بن لادن

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
05/05/2011 06:00 AM
GMT



عندما قُتل بن لادن اعتقلت الفرقة الأميركية أو قتلت، زوجتين له مع أطفاله. وفي رواية ثانية، زوجته الصغرى وأطفالها. وبصرف النظر عن صحة الروايات أو اختلاقها وتضاربها، فالمؤكد ان بن لادن كان إلى آخر وقته يتمتع بحياته، في بيت مريح يقع على مقربة من إسلام آباد، ويتزوج وينجب أطفالا، على ما يبدو عليه من شيخوخة ووهن عندما يظهر في تسجيل بين صخور مقفرة.

نهاية عصر بن لادن، مجرد وقت، وعندما انطلقت التظاهرات الأولى في تونس ومصر وسواها، كانت تلوح بشائر عهد جديد، تراه في أعين الشباب وملبسهم ونوع هتافاتهم، وفي سلام أرواحهم وصبرها على الموت دون أن تقرب فكرة العنف.

وحتى قبل هذا الوقت، كان تنظيم القاعدة يبدو على أفول وان كابر مريدوه. لذا لم يكن وقع خبر مقتل بن لادن شديد التأثير على الناس. ولكنني، ولا أعرف لماذا، تخيلت في تلك الساعة، طفلاً عراقياً فقد أباه في تفجير انتحاري، يسعى في شوارع بغداد كي يستجدي المارة بمحارم يبيعها على الطريق. لابد أن يكون هذا الطفل وفي هذه اللحظة، ساهيا عن الخبر، فهو في الأصل فقد كل بوصلة تعيد ترتيب حياته مع العالم، حتى ولو كان الأب مجرد عامل يأتي بدنانير قليلة كل يوم.

تخيلت بيتا دافئا لأب مثقف وأمّ متعلمة، هُدمت أركانه وهم يعبرون بين طريق وطريق، ولم يكن معهم سوى طفلهم الصغير. كان أخو القتيل وهو زميل سابق، يخبرني، أنهم، أي ما تبقى من أطفال الأخ الخمسة، لا يعرف الأهل ماذا يفعلون معهم. قال: سنوزعهم. سألت: ماذا تعني؟ قال ستتقاسمهم عوائلنا.

مثل هذه القصص تحدث في كل مكان، فلا الشحنة المليودرامية، وهي الأسوأ فيها، تثني الجهاديين عن أفعالهم، ولا تصبح عبرة حتى لأعدائهم. فقط نحن أمام صورة تقابل صورة. صورة بن لادن وعائلته الممتدة على امتداد الحدود التي عبرها معززا مكرما، وصورة الانتحاريين الشباب، لا ضحاياهم، وهم يفجرن أنفسهم في الأحياء الفقيرة في العراق، بعد ان يهتف أحدهم قبل تحريك الزر: حلت عليكم اللعنة. يتقدم الأول بسيارته من سوق الخضار، ثم يربض الثاني على مقربة، كي يستكمل مهمة رفيقه، مع من يهرع من المنقذين وناس الأحياء المجاورة.

سننسى صورة نيويورك وبرجيها، تلك الواقعة التي هتف لها العالم العربي بكل ما ملك من قوة الهتاف. مندوب الفضائية العربية الباذخة دون حساب، ذهب إلى التورا بورا، وفي تغطيته، كان يهمس ويسبل عينيه وهو يكاد يذوب وجداً بشجاعة طالبان وهي تختار القتال على تسليم بن لادن. هرعتُ الى القناة نفسها، بعد مقتل نجمها الوسيم بن لان، فسمعت مراسلاً قابل زعيم القاعدة مرة، يتحدث عن الجوانب الحضارية والإنسانية الخفية عنده. القناة، في هذا الوقت، غيرّت خطها باتجاه المساهمة بمقاتلة الدكتاتوريين لا تطويبهم، وخففت لهجة تمجيد من رفع أسهمها بين العرب، فخيبت ظن المعجبين القدامى.

ولكني تذكرت أنها لم تكن وحدها تفعل هذا، فإحدى الصحف التي أطلقت تسمية الشيخ على بن لادن، وضعت مقابل خبر مقتله ما يكذّبه، وكان مصدرها فضائية باكستانية.

وفي البي بي سي، كان مدير أحد المعاهد البحثية العربية، يشتم أميركا لأنها تلفّق بطولة لنفسها في مقتلة بن لادن.

الإعلام العربي اليوم فضّاح حتى وهو يخفي ويظهر ويتذرع بمهنية تعوزها تقاليد الديمقراطية. وعلى المراقب أن يدخل إلى الشبكة الالكترونية، وسيجد العجب العجاب.

حسنا. هل انتهى حقا عصر بن لادن.. هل انتهت ثقافته بين ظهرانينا، أو بالأحرى تلك التي تمتد على امتداد خرائط البؤس الإسلامي؟

قبل فترة قصيرة برّأت المحكمة الجنائية الباكستانية أفراد عشيرة اغتصبوا فتاة من عشيرة أخرى كي يعاقبوا عائلتها. ظهرت خائنة الحشمة والعرف العشائري، تتحدث على الشاشات الأجنبية، وبمعونة الناشطات النسويات الغربيات، فكانت فضيحة مدوية، ولكنها لم تثن المحكمة عن قرار البراءة، ولا منع الحادث الناس من شتيمة الناشطات الغربيات اللواتي يصطدن في الماء العكر، ويبحثن عن عيوب المسلمين.

اغتيل قبل صدور الحكم هذا، وزير باكستاني، لأنه دعا إلى إلغاء قانون يبيح للمسلم التعامل مع غيره من غير المسلمين باعتبارهم أقل مكانة، وباستطاعة المسلم تجنب العقاب، مهما كان ذنبه بحقهم.

الباكستان، هي الصيغة المعّدلة لصورتنا، فما كانت فتاة الـ"ساتي" في الهند التي انشقت عنها الباكستان، سوى امرأة تُحرق مع زوجها الميت. وتضيف بعض الكاتبات الهنديات خبراً مكملاً، حيث يتحايل أهل الميت اليوم متذرعين بالمحّرم والمقدس، ليرغموا الأرملة على هذا الطقس كي يحتفظوا بالإرث. إذن الباكستان الجديدة زادت قليلا من التعديلات كي يناسب القانون عُرف القتل السائد في المكان.

الرجل الذي رفع سيفه في الزرقاء الأردنية، وتناقلت صورته التلفزيونات، كان مسكونا بحلم بن لادن الدموي. لم يكن شيخاً على ما شاب لحيته من بياض، فهو حقا يعيش في الزمن الذي اختاره، زمن القتل دون رحمة، وبالسيف لا بالقنابل ولا بالأحزمة الناسفة فقط. هذا الرجل حريص على مقام الفضائيات في حياته، وما زال يترحّم على اثنين في صلاته: أبو مصعب الزرقاوي وبن لادن، وربما يكون بينهما من يقال إن صورته تملأ شوارع الزرقاء، ونقصد به صدام حسين. وهل في اليمن خلاف تلك الولاءات الموغلة بالفصاحة؟

كيف لي أن أتخيل نهاية لابن لادن، وأشباحه تملأ حياتنا: كتائب الموت التي ترتدي قمصانا سوداء، تمر بشوارع بغداد عابسة، وكانت في البصرة لا تحتاج إلى لباس رسمي كي تزرع الرعب، فقد قتلت في شهر واحد خمسين امرأة. وجد الناس واحدة منهن وقد سُدت منافذ الهواء في جسدها، بأشرطة لاصقة.

قال فتى من البصرة، ان المليشيات تكبسل، أي تتعاطى المخدرات، وعندها تصعد في رؤوس رجالها النخوة. هكذا قالها ببراءة. النخوة، يا لها من مفردة جديرة بأشباح بؤسنا.

في هذا الوقت يأتي خبر مقتل بن لادن، كأن أميركا تختبر تمارين العرب على الحرب والسلام، تمارينهم وهم يمطون أجسادهم خارج تلك القيود التي جعلت منهم قطيعاً يساق تحت إمرة أي مغامر.

فرص العرب بحياة جديدة، يقررها الجيل الذي دخل حقا في عصر ومزاج يدفعانه كل يوم خارج زنازين الكتمان والتستر. خارج عباءات الأسلاف الذين يتجولون في صحارى التورا بورا. ولكن الصحيح ايضا أن من يتخيل أن أشباح بن لادن قد غادرتنا، فهو على وهم كبير.

ذهبت الكاميرات إلى الثوار في ليبيا. بح صوت هؤلاء وهم يحثون "النيتو" على تطهير أرضهم من عسف القذافي. ولكنهم هتفوا: رحم الله بن لادن وأسكنه فسيح جنانه، فقد كان رجلاً. لننتبه إلى دقة التعبير. أدرك أحدهم خطر الأقوال في هذه الأيام الحاسمة فصرخ: ما لنا وله، ذهب إلى رحمة ربه، ونحن لنا أمرٌ مع صاحبنا.

الثورات لا تكذب، وثورة بن لادن لم تكن تكذب أيضاً، ولكنها تستطيع أن تقول من نحن، تستطيع أن تعلن عن هويتنا رغم أنوفنا. والحق انها أعلنت مقدار ما نختزنه من أحقاد، حتى غصت بنا فانتحر شبابنا على أعتابها. فعندما يهلل شعب لصور الجثث المتناثرة في الشوارع لأنها لبشر من غير جنسه أو ملته او لونه، يكون قد قتلهم بيديه لا بعينه فقط.

في وقت كانت القاعدة تعرض مواهبها في الذبح أمام التلفزيونات، كان القرضاوي يصرخ من على كرسي الجزيرة: "خطف الأميركان المدنيين وقتلهم في العراق واجب". ولكنه الآن يرى غير ذلك، بعد أن أفتى بدخول الأطلسي الى أراضي العرب المطهّرة. دار الزمن علينا دورته، ولكننا نملك الوقت كي نحتال عليه، فهناك من يعرف أن ثقافة القطيع، لم تخرج من جلودنا بعد، حتى لو حاول الشباب التمرد عليها، فهم يحتاجون إلى وقت غير هذا. وسواء اعتبرنا بن لادن بطلا أم مجرماً، فسوف نسلّم أمرنا لغراب يشبهه، ولقرضاوي يتفاصح مثل فصاحته، ولن تخيب ظننا صناديق الاقتراع في القادم من الأيام، فهي تحفظ كنز خصوصيتنا.